الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
107
نفحات الولاية
القسم الثالث ولَوفَكَّرُوا فِي عَظِيمِ الْقُدْرَةِ ، وجَسِيمِ النِّعْمَةِ ، لَرَجَعُوا إِلَى الطَّرِيقِ ، وخَافُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ، ولكِنِ الْقُلُوبُ عَلِيلَةٌ ، وَالْبَصَائِرُ مَدْخُولَةٌ ! أَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ ، كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ ، وأَتْقَنَ تَرْكِيبَهُ ، وفَلَقَ لَهُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ ، وسَوَّى لَهُ الْعَظْمَ وَالْبَشَرَ ! انْظُرُوا إِلَى النَّمْلَةِ فِي صِغَرِ جُثَّتِهَا ، ولَطَافَةِ هَيْئَتِهَا ، لَاتَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصَرِ ، وَلَا بِمُسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ ، كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا ، وصُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا ، تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى جُجْرِهَا ، وتُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا . تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا ، وفِي وِرْدِهَا لِصَدْرِهَا ؛ مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا ، مَرْزُوقَةٌ بِوِفْقِهَا ؛ لَايُغْفِلُهَا الْمَنَّانُ ، وَلَا يَحْرِمُهَا الدَّيَّانُ ، ولَوفِي الصَّفَا الْيَابِسِ ، وَالْحَجَرِ الْجَامِسِ ! ولَوفَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أَكْلِهَا ، فِي عُلْوِهَا وسُفْلِهَا ، ومَا فِي الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ بَطْنِهَا ، ومَا فِي الرَأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وأُذُنِهَا ، لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً ، ولَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً ! فَتَعَالَى الَّذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا ، وبَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا ! لَمْ يَشْرَكْهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ ، ولَمْ يُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ . ولَوضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبِ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ ، مَا دَلَّتْكَ الدَّلَالَةُ إِلَّا عَلَى أَنَّ فَاطِرَ النَّمْلَةِ هُوفَاطِرُ النَّخْلَةِ ، لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيء ، وغَامِضِ اخْتِلَافِ كُلِّ حَيٍّ . ومَا الْجَلِيلُ واللَّطِيفُ ، والثَّقِيلُ والْخَفِيفُ ، والْقَوِيُّ والضَّعِيفُ ، فِي خَلْقِهِ إِلَّا سَوَاءٌ . الشرح والتفسير : قدرته المطلقة في خلق الكائنات عاد الإمام عليه السلام ثانية إلى موضوع معرفة اللَّه الذي استهل به خطبته وعرج فيها